ليس التحدي في الإحسان الإداري أن نؤمن بجماله، فكل نفس سوية تنجذب إلى الإحسان وتقدّر معناه، وإنما التحدي الحقيقي أن نحسن تطبيقه داخل المؤسسة دون أن يتحول إلى تساهل يضعف العدالة، أو عاطفة تعطل الحقوق، أو استثناء يربك النظام.

فالإحسان في الإدارة لا يعني أن تعطي المؤسسة كل فرد ما يريد، ولا أن تتجاوز اللوائح باسم الرحمة، ولا أن تؤجل المساءلة بدعوى اللين. بل يعني أن تمارس المؤسسة الرحمة داخل ميزان العدل، وأن تحفظ كرامة الإنسان دون أن تفرط في حق العمل أو حقوق الآخرين.

ومن هنا تأتي الآية الجامعة التي تضبط هذا المعنى، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ النحل: 90.

فهذه الآية الكريمة تجمع بين العدل والإحسان، وتنهى عن البغي والظلم. وهذا يعطينا أصلًا مهمًا في الإدارة: لا يصح أن نفهم الإحسان بعيدًا عن العدل، ولا أن نجعل الرحمة سببًا في ظلم الآخرين. فالإحسان الإداري الحق هو الذي يرفع جودة العمل دون أن يظلم، وييسر الإجراءات دون أن يخلّ بالحقوق، ويرحم الإنسان دون أن يضعف المؤسسة.

 

الإحسان حين يدخل ميزان القرار

فيالواقع المؤسسي، كل قرار له أثر. فالقرار الإداري لا يقف عند شخص واحد فقط، بل قد يمتد أثره إلى فريق العمل، والمستفيدين، والموارد، وجودة الخدمة.

فالمدير الذي يمنح موظفًا متعثرًا فرصة إضافية قد يمارس وجهًا من وجوه الإحسان، إذا كان ذلك في موضعه. لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يسأل: ما أثر هذا القرار على بقية الفريق؟ وهل سيؤدي إلى تحميل المجتهدين أعباء إضافية؟ وهل سيضر بالمستفيدين أو يؤخر مصالحهم؟

وكذلك الموظف الذي يستمع إلى مستفيد غاضب، ويتفاعل مع شكواه بصبر واحترام، يمارس إحسانًا محمودًا. لكنه مطالب أيضًا ألا يكون ذلك على حساب مستفيدين آخرين ينتظرون دورهم، أو على حساب النظام الذي يحفظ العدالة بين الناس.

وهنا يظهر جوهر الإدارة الرشيدة: ليست في إطلاق الإحسان بلا ضوابط، ولا في التضييق على الناس باسم الكفاءة، بل في الموازنة العادلة بين المصالح، وترتيب الأولويات، وحفظ الحقوق.

فالمؤسسة المحسنة ليست التي تعطي كل فرد كل ما يطلب، وإنما هي المؤسسة التي توازن بين حاجة الإنسان، وحقوق الآخرين، وقدرات الموظفين، وأهداف العمل، مع بقاء روح الإنسانية حاضرة في هذا التوازن.

 

الإحسان بين الرحمة والمساءلة    

قد تبدو هذه الفكرة غير مألوفة عند الحديث عن الإحسان، لكنها مهمة جدًا: ليس كل حزم قسوة، وليس كل تساهل رحمة.

فالإدارة المحسنة هي التي تكافئ المجتهد، وتوجه المتعثر، وتدرب من يحتاج إلى تدريب، وتحاسب المقصر، وتبعد من ثبت ضرره أو عجزه عن موضع المسؤولية، لا انتقامًا منه، بل حفظًا للأمانة وصيانة لحقوق الناس.

إن أقسى صور الإحسان الإداري، وأكثرها عدلاً، أن يكون المدير صارماً في تقييم الأداء، عادلاً في الجزاء، واضحاً في معالجة التقصير، وفي الوقت نفسه رحيماً في الأسلوب، متثبتاً في الحكم، حريصاً على الإصلاح قبل العقوبة، وعلى الكرامة حتى عند المساءلة. فالعدل هو أساس الإحسان، ولا إحسان مع ظلم الآخرين، ولا رحمة حقيقية حين تتحول الرأفة بفرد إلى قسوة صامتة على جماعة كاملة.

فالإحسان الإداري لا يعني السكوت عن التقصير المتكرر، أو التغاضي عن الفساد، أو إبقاء من لا يؤدي مسؤوليته في موقع يترتب على بقائه ضرر على العمل أو الناس. فالرحمة التي تتحول إلى تعطيل للحقوق ليست إحسانًا، والتسامح الذي يرهق المجتهدين أو يضر بالمستفيدين لا ينسجم مع العدل.

إن بقاء الموظف المقصر في موقعه بدعوى الرأفة، مع علم الإدارة بتكرر تقصيره أو عجزه عن أداء مهامه، قد يتحول إلى ظلم مضاعف: ظلم للموظفين المجتهدين الذين يتحملون أعباء إضافية، وظلم للمستفيدين الذين تتأخر معاملاتهم أو تنخفض جودة الخدمة المقدمة لهم، وظلم للمؤسسة التي تضعف ثقة الناس بها عندما لا تضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

لكن الحزم لا يكون إحسانًا إلا إذا كان عادلًا ومتدرجًا. فليس كل تقصير فسادًا، وليس كل ضعف في الأداء دليلًا على سوء النية. فقد يكون التقصير بسبب ضعف التدريب، أو غموض المهام، أو نقص الإمكانات، أو ظروف طارئة.

لذلك تبدأ الإدارة المحسنة بتشخيص المشكلة قبل الحكم على الشخص. تسأل: هل كانت المهام واضحة؟ هل تلقى الموظف التدريب الكافي؟ هل توفرت له الأدوات المناسبة؟ هل وُجّه بطريقة صحيحة؟ ثم تمنحه فرصة مناسبة للتحسين، وتتابع أداءه، وتقيّمه وفق معايير واضحة ومعلنة.

فإذا ثبت بعد ذلك أن الموظف غير قادر على أداء مسؤولياته، أو أنه متقاعس بصورة متكررة، أو أن بقاءه يضر بالعمل والمستفيدين، فإن نقله إلى موقع أنسب، أو إنهاء تكليفه، أو اتخاذ الإجراء النظامي بحقه، يصبح وجهًا من وجوه الإحسان المؤسسي؛ لأنه يحفظ الحقوق، ويمنع الظلم عن الآخرين، ويصون كرامة العمل.

ومن هنا نفهم أن الإحسان لا يعني تعطيل العدالة، بل يعني أن تُمارس العدالة بروح منصفة، وبإجراءات واضحة، وبأسلوب يحفظ كرامة الإنسان ما أمكن.

وقد ربط القرآن الكريم الإحسان بضبط النفس وحسن التعامل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ آل عمران: 134.

وهذه الآية الكريمة تكشف جانبًا مهمًا من الإحسان: أن يكون الإنسان قادرًا على كظم غيظه، وأن يعفو حين يكون العفو إصلاحًا لا إضرارًا. وفي الإدارة، يظهر ذلك في المدير الذي يعالج الخطأ دون إهانة، ويحاسب دون انتقام، ويصحح دون تشهير، ويجعل المساءلة طريقًا للإصلاح لا وسيلة لكسر الإنسان.

 

ماذا يعني أن تكون مؤسسة محسنة؟

المؤسسة المحسنة ليست فقط مؤسسة سريعة في إنجاز المعاملات، أو متقدمة في مؤشرات الأداء، أو حاصلة على شهادات الجودة. هذه كلها أمور مهمة، لكنها لا تكفي وحدها.

المؤسسة المحسنة هي المؤسسة التي تجعل النظام في خدمة الإنسان، لا الإنسان في خدمة تعقيد النظام. هي مؤسسة عادلة في قراراتها، واضحة في إجراءاتها، رحيمة في تعاملها، متقنة في عملها، قريبة من الناس، وحريصة على ألا تتحول اللوائح فيها إلى جدار يمنع الحقوق أو يعقّد الحياة.

ويمكن أن يظهر الإحسان الإداري في عدة مجالات أبرزها:

الإحسان في خدمة المستفيدين:

وذلك بأن يشرح الموظف الإجراء بلغة واضحة، ويحفظ وقت المراجع وكرامته، ولا يتركه حائرًا، ولا يرده بكلمة جافة، بل يرشده بأمانة إلى الطريق الصحيح.

 

الإحسان في القيادة والمساءلة:

وذلك بأن يعدل المسؤول بين موظفيه، ويكافئ المجتهد، ويوجه المتعثر، ويدرب من يحتاج إلى تدريب، ويحاسب المقصر بعدل ووضوح، دون إهانة أو انتقام.

 

الإحسان في أداء العمل:

وذلك بأن يؤدي الموظف عمله بإتقان ولو لم يراقبه أحد، ويتجاوز الحد الأدنى من الأداء، ويتعامل مع وقت العمل والمال العام وأدوات المؤسسة باعتبارها أمانة.

 

 الإحسان في مراعاة الضعفاء وأصحاب الحاجات:

وذلك بأن تراعي المؤسسة كبار السن، والمرضى، وذوي الإعاقة، وأصحاب الظروف الخاصة، فتنظر إلى حاجة الإنسان لا إلى الورقة التي يحملها فقط.

 

الإحسان في الزمالة والعمل الجماعي:

وذلك بأن يساعد الزميل زميله في المهمة الصعبة، ويحفظ سره، ولا يجعل خطأه أو ضعفه مادة للسخرية، ولا يقف عند حدود الوصف الوظيفي حين يستطيع أن ينفع دون أن يضر بعمله الأساسي.

 

 الإحسان في تطوير الإجراءات وجودة الأداء:

وذلك بأن تراجع الإدارة الإجراءات المعقدة، وتصغي إلى شكاوى الناس، وتحولها إلى فرص للتحسين، وتوازن بين سرعة الإنجاز ودقة القرار، فلا تظلم الناس باسم السرعة، ولا تعطل مصالحهم باسم التدقيق.

 

الإحسان في قياس النجاح:

فالمؤسسة المحسنة لا تقيس نجاحها بعدد المعاملات المنجزة فقط، بل تنظر أيضًا إلى ما حفظته من حقوق، وما يسرته من مصالح، وما صانته من كرامات، وما خففته من معاناة الناس.

وهذا كله لا يعني أبدًا التساهل في اللوائح، أو تجاوز الأنظمة، أو إعطاء أحد ما لا يستحق. فالإحسان لا يلغي النظام، بل يهذبه. ولا يضعف العدالة، بل يقويها. ولا يحول الرحمة إلى فوضى، بل يجعل الرحمة حاضرة داخل النظام نفسه.

فمن الإحسان أن تطبق النظام، لكن تشرحه للناس. ومن الإحسان أن ترفض الطلب غير المستحق، لكن بلا إهانة. ومن الإحسان أن تطلب استكمال النواقص، لكن بوضوح لا يربك المستفيد. ومن الإحسان أن تحافظ على حقوق المؤسسة، وفي الوقت نفسه لا تنسى أن أمامك إنسانًا له حاجة وكرامة وظرف.

إن القوانين وحدها لا تصنع مؤسسة محسنة. فاللوائح تستطيع أن تحدد وقت الحضور والانصراف، لكنها لا تصنع المبادرة. والأنظمة تستطيع أن تحدد خطوات المعاملة، لكنها لا تضمن حسن التعامل. والرقابة تستطيع أن تكشف الخطأ، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة الضمير الحي.

أما الإحسان، فإنه يربط العمل بالمسؤولية أمام الله، وبالأمانة أمام الناس، وبالضمير داخل الإنسان. فالموظف المحسن لا يعمل فقط لأنه مراقب، بل لأنه يعلم أن العمل أمانة. والمسؤول المحسن لا يحسن إلى فريقه طلبًا للصورة الجميلة، بل لأنه يدرك أن القيادة مسؤولية. والمؤسسة المحسنة لا تطور خدماتها من أجل الأرقام وحدها، بل لأنها ترى أن خدمة الناس جزء من رسالتها.

إن الإحسان الإداري ليس زينة أخلاقية تضاف إلى النظام من خارجه، بل روح تسري في القرار والإجراء والتعامل والمساءلة. فهو لا يلغي اللوائح، ولكنه يمنع قسوتها. ولا يضعف الحزم، ولكنه يهذبه. ولا يفتح باب المجاملة، ولكنه يفتح باب الكرامة والعدل وحسن التصرف.

وحين تفهم المؤسسة الإحسان بهذا المعنى، فإنها لا تكتفي بأن تنجز المعاملات، بل تصون الإنسان أثناء الإنجاز. ولا تكتفي بأن ترفع مؤشرات الأداء، بل ترفع معها منسوب الثقة والرحمة والإنصاف. فالمؤسسة المحسنة ليست التي ترضي الجميع، وإنما التي تعدل مع الجميع، وتحسن إلى الجميع، وتحفظ للمسؤولية هيبتها وللإنسان كرامته.

وفي المقال القادم، سنقترب من مشهد قرآني يكشف معنى المبادرة في خدمة المحتاج، حين رأى موسى عليه السلام امرأتين تذودان، فبادر بالسؤال: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ القصص: 23. ومن هذا السؤال الإنساني العميق نقرأ درسًا إداريًا في الموظف الذي لا يكتفي بالحد الأدنى من العمل، بل يرى الحاجة، ويسأل بأدب، ويعين في حدود مسؤوليته حين يستطيع.