لم تكن طهران في مشهدها المهيب، وقد فاضت أمواجها البشرية المتلاطمة لتوديع جثمان مرشدها الأعلى الشهيد السيد علي خامنئي، أمام طقس جنائزي عابر يوارى فيه جسد قائد أمسك بموازين الصراع الإقليمي زهاء خمسة وثلاثين عاماً، بل انقلب المشهد بمنطق الفعل الميداني إلى استفتاء وإعلان جيوسياسي زلزل أوهام الحلف الصهيوني-الأمريكي التي راهنت على فراغ في السلطة أو تصدع في بنيان الدولة. وأتت الصور الحيّة والوثائق الرسمية شاهداً ساطعاً على أن إيران التي راهن خصومها على كسر إرادتها بجريمة الغدر والعدوان، خرجت للدنيا بحجّة دامغة على رسوخ مؤسساتها الدستورية وصلابة قاعدتها الجماهيرية، وكرّست منطق "دولة الهيئات الراسخة" وانتقلت إلى منبر هجومي صاغت من خلاله، بـ - جموعها المليونية- قواعد اشتباك دولية جديدة، إيذاناً بتدشين عصر الانتقال الاستراتيجي، وفرضاً لشروطها السيادية كاملة غير منقوصة على طاولة الحسابات الكبرى ومفاوضات إعادة البناء.
في باحات مصلى طهران الكبير وشوارعها الممتدة التي بلعها الأفق، احتشدت جموع قدرت أجهزة الرصد الرسمية عديدها بخمسة عشر مليوناً إلى عشرين مليون مشيّع في العاصمة فحسب، قدموا ليُجدّدوا بيعة الدم والوفاء، وتصدّر صفوفهم ثلاثة من أبناء المرشد الراحل: مسعود ومصطفى وميثم، في إشارة بليغة إلى تلاحم البيت القائد مع خيارات الأمة المصيرية. وأمَّ المرجع الديني آية الله جعفر سبحاني، وقد حنى الزمان قامته عند السابعة والتسعين، صلاة الجنازة على رفات القائد وأربعة من فلذات أكباده ارتقوا شهداء في غارات أمريكية إسرائيلية غادرة أواخر فبراير المنصرم، تلك الجريمة التي فجّرت أتون المواجهة الكبرى في قلب الشرق.
ولم تكن تلك الساحات إلا منابر هجومية هادرة؛ علا فيها العلم الإيراني إلى رايات قانية ترمز بالمطلق لللثأر المقدس، وتوشح الجموع بصور الشهيد في مقاماته الجهادية كافة، فيما دوّت الحناجر بأناشيد دينية ووطنية وشعارات عاصفة تكريما للقائد المجاهد علي الخامنئي وتتوعد بالاقتصاص من مجرم الحرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
في الصفوف الأولى الملاصقة للنعش المهيب جسّدت القيادة الإيرانية بجلاء أرفع صور التلاحم العسكري والسياسي، ماحية بذلك أكاذيب آلة الإعلام الغربي عن فراغ مرتقب في السلطة. وقف الرئيس مسعود بزشكيان كتفاً إلى كتف مع رئيس مجلس الشورى وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، وقائد الحرس الثوري اللواء أحمد وحيدي، وقائد قوة القدس العميد إسماعيل قاآني، في لوحة سيادة واحدة. وجاء التصريح الحاسم لقاليباف، وهو الذي يرأس الآن وفد التفاوض لإملاء شروط إنهاء الحرب ويتبوأ موقعه المتين في هرم الدولة الجديد، بمثابة البيان التأسيسي: "إن الأمة الفخورة التي لا تُقهر في إيران الإسلامية قد أجمعت على تكريم شهيدها". ومن جانبه، قطع الرئيس بزشكيان الطريق على كل تأويل خبيث، حين وصف الطوفان البشري بأنه "صعود أحمر، ليس خاتمة الطريق بل استهلال فصل جديد من التضامن والصمود والازدهار".
تنظيمياً، تجلّت قدرة مفاصل الدولة على إدارة الأزمات في أشد الظروف قسوة؛ إذ أعلنت بلدية طهران، بلسان رئيس مركز اتصالاتها حميد رضا غلام زاده، أن أجهزتها اضطلعت بأربع مهام محورية: الإسكان والنقل والخدمات الحضرية والشؤون الثقافية والإعلامية. وأفرزت الخطة طاقة استيعاب غير مسبوقة للإسكان بلغت 3,6 ملايين ضيف، وُزّع منهم 2,8 مليون داخل العاصمة و800 ألف في ضواحيها والمدن المجاورة. وكشفت الأرقام أن 45% من الوافدين من المحافظات آثروا الإقامة لدى أقاربهم استنهاضاً لشبكات التضامن الاجتماعي، بينما خُصصت تسع حدائق كبرى للنساء تتسع لنحو مئتي ألف امرأة لتأمين الراحة الكاملة للأمهات والأسر. ولتأمين سيولة الحركة، سخّرت الدولة أسطولاً من 3400 حافلة و165 قطار مترو أنفاقٍ يعمل بلا توقف، وقرابة عشرة آلاف مركبة أجرة وحافلة صغيرة، لضمان استمرار الجريان اللوجستي بأعلى درجات الانضباط حتى ختام المراسم.
جرت فصول هذه الملحمة وفق مدار زمني وجغرافي محكم، استُهلّ مساء الخميس بمراسم وداع خاصة في "مقتل الإمام الشهيد" بعد صلاتي المغرب والعشاء، جمعت عائلات شهداء الحربين المفروضتين الثانية والثالثة، وعائلات شهداء مكتب القائد الأعلى، وعائلات شهداء فيلق حماية ولي الأمر. وفي يوم الجمعة، سُجّي النعش رسمياً في مصلى طهران الكبير، وكان اليوم الأول لإلقاء الوفود الرسمية والشخصيات الدينية والسياسية من عشرات الدول العربية والإسلامية والآسيوية والإفريقية تحية الوداع الأخير، في حضور دولي مهيب فرض هيبة الجمهورية الإسلامية كقوة إقليمية عظمى، وبرهن عملياً على إخفاق سياسات الإقصاء الغربية، خاصة مع غياب مَن دار في الفلك الأمريكي من قبيل بريطانيا وألمانيا وكندا وأستراليا. وتتواصل المراسم الشعبية حتى نهار الأحد، ثم تحرك الموكب المهيب صباح الاثنين لتوديع الجثمان في شوارع طهران، قبل أن ينتقل النعش إلى حوزة قم المقدسة، ومنها يشدّ الرحال عبر الحدود صوب الأراضي العراقية ليطوف العتبات الشريفة في النجف وكربلاء، تثبيتاً لوحدة الساحات وجغرافيا المقاومة الاستراتيجية، وصولاً إلى المحطة الختامية الخميس المقبل حيث مثوى القائد الأخير في مدينة مشهد، العاصمة الروحية ومسقط الرأس.
وفي غمرة هذا الحدث التاريخي الجلل، انفلتت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتكشف المستور من اضطراب وذعر وأزمة بنيوية تعتري الإدارة الأمريكية إزاء صخرة الصمود الإيراني؛ إذ قال إنه يرقب التشييع بدقة، وأن بوسعه إفناء ملايين المحتشدين بضربة واحدة، ثم استدرك بأنه لن يفعل "لأن الأمر سيتركه دون طرف يتفاوض معه". وتكشف القراءة التحليلية لهذا الهذيان أنه ينطوي على اعتراف مبطّن بالهزيمة؛ فما وراء لغة الاستعلاء الفارغة واسترخاص الدم البشري يكمُن إقرار جازم بأن الولايات المتحدة، بما أوتيت من آلة عسكرية جبّارة، عجزت عن محو دور إيران الجيوسياسي، وصارت مضطرة للمساومة معها والاعتراف بها كلاعب لا غنى عنه في أي تسوية كبرى. وهكذا انقلبت التشييع التاريخي إلى استفتاء أثبت فيه مجتمع المقاومة قدرته العجيبة على تحويل الخسائر الفادحة إلى روافع استراتيجية صلبة، باصماً بالخط الأحمر أن اغتيال القادة ليس انكساراً للدولة، بل هو الوقود الحيوي لولادة عهدٍ جديد عنوانه التحدي والازدهار والانتصار.
تحول نجاح طهران في جمع وفود رسمية تجاوزت السبعين دولة، إلى وثيقة إدانة كبرى لفشل حرب العزل والحصار الإقليمي، بما ينطوي على مكاسب استراتيجية فارقة تُوجزها المحاور الآتية:
الاعتراف بالمحورية الدائمة: مثّل هذا التدفق الدبلوماسي اعترافاً عملياً بأن الجمهورية الإسلامية قوة إقليمية عظمى لا يُمكن تجاوزها أو إقصاؤها عن أية ترتيبات تخص أمن "الشرق الأوسط" واستقراره. وقد أدركت عواصم العالم أن الرهان الغربي على تفكيك الدولة عبر القوة العسكرية تحطم تماماً على صخرة البنية الدستورية الإيرانية الصلبة وقدرتها على القيادة في أحلك المنعطفات.
تصدع الهيمنة الأمريكية: كشف حضور حلفاء تقليديين لواشنطن كالسعودية وتركيا وباكستان وقطر وعُمان عن قناعة إقليمية راسخة بأن التبعية المطلقة للمظلة الأمريكية لم تعد كافية لصون الأمن القومي، وأن هذه العواصم سارعت إلى حجز مواقع متقدمة للتنسيق المباشر مع القيادة الإيرانية الجديدة برئاسة السيد مجتبى خامنئي.
الترسيخ الحاسم للمحور الشرقي: كرّست الجنازة التحول البنيوي في بوصلة التحالفات الإيرانية صوب المعسكر الشرقي بامتياز، إذ دلّ التمثيل الروسي الرفيع بنائب رئيس مجلس الأمن دميتري ميدفيديف، والصيني بالمشرّع البارز خه وي، على أن القوتين العظميين تران في صمود طهران مصلحة حيوية لتحطيم التمدد الأمريكي في غرب آسيا، معلنتين الدعم المطلق للتنمية والأمن ومباركتين مسار تفاوض إسلام أباد بوصفه صك اعتراف بإخفاق الحرب الغربية.
غرفة عمليات دبلوماسية فائقة النشاط: تحولت طهران إلى مركز اتصالات سياسية كثيف، استثمره الرئيس بزشكيان ووزير الخارجية عراقجي في عقد لقاءات ثنائية محمومة صاغت تفاهمات الأمن والسياسة لمرحلة ما بعد الحرب، ووجهت رسائل طمأنة إلى الجوار، مع التأكيد المطلق على الثوابت الإيرانية في دعم قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية التي تربّعت وفودها في صدارة مشهد الوفاء.
لقد أرخت المراسم المهيبة سِتراً على حقبة سياسية طويلة، وأطلقت فوراً مرحلة جديدة من صوغ التوازنات وبناء منظومة أمنية واقتصادية مستقلة في الخليج والمنطقة مستندة إلى بنود "مذكرة تفاهم إسلام أباد" وأفق المفاوضات النهائية، عبر ثلاثة مسارات حاسمة:
أولاً: المسار السياسي النووي ومعترك الإرادات الداخلية: تمثل مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في المذكرة نافذة تفاوضية فائقة الحساسية بين طهران وواشنطن، يسعى فيها الطرفان إلى تجنب الانزلاق مجدداً إلى مربع الحرب المفتوحة. غير أن بنية الحكم في إيران تشهد حراكاً تحليلياً عميقاً يرمي إلى منع أي تنازل جوهري، وتستند مؤسسات الدولة العسكرية والسياسية في ذلك إلى تصريحات السيد مجتبى خامنئي النافذة حين قال إنه "كان لديه رأي آخر" معارض للتوقيع، متخذاً منها ورقة ضغط استراتيجية تحول دون أي تراجع من حكومة بزشكيان والمجلس الأعلى للأمن القومي.
ثانياً: الترتيبات الأمنية البحرية في مضيق هرمز: يبقى مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي الذي يعبره خُمس إمدادات النفط، سلاح إيران الاستراتيجي الأمضى. وبينما تلتزم طهران بفتحه للملاحة ستين يوماً دون رسوم وفق المذكرة، تشير المؤشرات النهائية إلى أنها بصدد بناء منظومة أمن بحري إقليمي خالصة قوامها التنسيق مع سلطنة عُمان والتشاور مع الدول المشاطئة، مع الإقصاء المطلق للوجود العسكري الأجنبي. وتتسق هذه الرؤية مع تأكيدات رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن الإدارة المشتركة بين طهران ومسقط للمياه الخليجية ستُنهي عقوداً من التدخلات الأمريكية والغربية، وتهيئ بيئة تنموية آمنة للمنطقة.
ثالثاً: جهود إعادة الإعمار والحزمة التمويلية الضخمة: تصر طهران على الإفراج الفوري والكامل عن أصولها المجمدة، كشرط مسبق لأي تفاوض نهائي. وتنص مذكرة إسلام أباد على بند استراتيجي يُلزم واشنطن بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين – من بينهم كوريا الجنوبية واليابان – لتقديم حزمة تمويل لا تقل عن 300 مليار دولار مخصصة بالكامل لإعادة إعمار البنية التحتية وتنمية الاقتصاد الإيراني المدمّر بفعل العدوان. ويشكّل هذا البند، مخرجاً جوهرياً واعترافاً دولياً مبطّناً بالمسؤولية عن أضرار الحرب، مما يعزز فرص الاستقرار الداخلي ويثبّت أركان الحكم الجديد بقيادة السيد مجتبى خامنئي في صياغة عصر ما بعد الحرب بثبات واقتدار.