موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي
في مسرح السياسة الدولية المظلم، تبرز النتوءات لتكشف حجم العقبات التي تصنعها الطموحات المالية والاقتصادية دون اعتبار لأي ثوابت قيمية وإنسانية، ويتكشف حجم السقوط الأخلاقي المريع الذي تجثو تحت وطأته المؤسسات الغربية كلما تضاربت أطماعها مع قضايا الشعوب الحرة.
ومن على خشبة ذاك المسرح يتناوب المتواطؤون على لعب أدوار الاستخفاف بمنظومة الثوابت والقواعد، وقبل أيام كان "المايك" الدولي للبرلمان الأوروبي الذي حدد العنوان وذهب إلى تنشيط قنوات استقبال المقابل.
اليمن الضارب في أعماق الكبرياء كان على طاولة التداول، ومضمون محضر الجلسة كان معروفاً، حيث التسييس للبيانات يفضح التناقض والانكسار القيمي المقيت. وحيث يتجرد النقاش من أي التزام يضبط اتجاهات الأحكام، فقد انحاز إلى رؤية مشوهة لا ترى المشهد اليمني إلا بعين واحدة، تغمض جفنيها قسراً عن دماء زكية تسيل، وتضحيات جسام تجري منذ سنوات طوال، وخراب ودمار يحاصر الناس في كل مكان بعد تجريب كل أشكال الأسلحة العارية على الخارطة اليمنية.
لم تكن البيانات الحاقدة الأخيرة الصادرة عن تلك الأروقة الباردة مجرد شطحة دبلوماسية، وإنما كشفاً حقيقياً لمنهجية مسيسة تفتقر إلى أدنى ذرات النزاهة والعدالة الإنسانية، وتتخلى بسفاهة عن الحياد المفترض لمؤسسة طالما تباهت بزيف أدوارها في حماية الشعوب ودعم الحقوق.
لقد استحال البرلمان الأوروبي إلى بوق مأجور لتسويق أباطيل المعتدين، وتبييض سجلاتهم الملطخة بالدماء اليمنية الطاهرة، متجاوزاً -ببرود- الثوابت القانونية والأعراف الدولية، ليؤكد للعالم مجدداً أن شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ليست سوى أدوات طيعة تُستل لتخدير الشعوب وتُغمد عند اصطدامها بصخرة المصالح. وهذا السلوك لم يكن نبتة مصادفة، وإنما ثمرة لشبكة من المنافع الشيطانية المتبادلة التي تسترخص الدم اليمني في بورصة النفاق الغربي، حيث تغدو القيمة الإنسانية مجرد رقم هامشي يُقاس بحجم الأرباح الخيالية المنتزعة من صفقات السلاح وعقود النفط والغاز.
ومن هنا، فإن التأمل في هذه المواقف الأوروبية المنحازة يعري حقيقة الأزمة الأخلاقية التي تطوق النظام الدولي، والذي أضحت عقيدته الحاكمة ترتكز على تقديم المصلحة الأنانية على الإنسانية، حيث تصمت هذه المؤسسات صمت القبور عندما تحصد آلة القتل أرواح الأطفال والنساء في اليمن. لكنها، وفي لحظة فارقة من النفاق الصارخ، تستنفر ترساناتها الدبلوماسية والعسكرية والعقابية بمجرد أن تطال شظايا التصعيد جدار المصالح المالية لشركات التأمين وعمالقة النفط في ممرات البحر الأحمر ومضيق باب المندب، في مسرحية هزلية تعيد تأكيد أن حقوق الإنسان في قاموسهم ليست إلا قناعاً زائفاً للأطماع.
هذا السقوط الأوروبي كان من الطبيعي أن يلقى الرفض والإدانة والاستنكار في الشارع اليمني، مقيماً الحجة والدليل على رأس كل متواطئ ومستكبر. في طليعة الردود الثائرة جاءت الرسالة الصارمة التي وجّهها رئيس مجلس النواب، الشيخ يحيى علي الراعي، إلى رئيسة البرلمان الأوروبي "روبرتا ميتسولا" وأعضائه، لتشكل صاعقة قانونية وأخلاقية دمرت بنيان الزيف الأوروبي من القواعد.
صفعت الرسالة ذلك التمايز المزيف بأسلوب حازم لا يداري ولا يجامل، مؤكدة أن المواقف الانتقائية لهذه المؤسسة إنما تعكس انتكاسة أخلاقية وتخلياً فاضحاً عن قيم العدالة والمظلومية لصالح الانحياز الكامل والعمى المطلق لشيطنة الضحية وتبرئة الجاني المعتدي.
وأوضحت الرسالة أن البرلمان الأوروبي تمرد على واجب الإنصاف، ومزق شعارات الحقوق والحريات، متغابياً حتى عن ذكر حرب الإبادة والحصار الجائر الذي يطوق أجساد اليمنيين وأرواحهم منذ اثني عشر عاماً من البطش والاستبداد على يد حلف سعودي أمريكي وباقي محور الشر.
كما عرّت الرسالة التواطؤ الأوروبي المخزي مع تنصل العدو السعودي من التزاماته المعلنة في خفض التصعيد وخرقه لبنود خارطة الطريق، واستمراره الهستيري في استهداف المنشآت الخدمية كمطار صنعاء الدولي، والدفع بالحشود العسكرية لتقويض السكينة والأمن في المحافظات الحرة، وهو الأمر الذي فرض على القيادة اليمنية تدشين معادلة الحصار بالحصار صوناً للكرامة الوطنية وحمايةً للسيادة، معربةً عن الاستنكار الشديد لنزوع البرلمان الأوروبي نحو إدراج اليمن في قوائم الإرهاب، كغطاء سياسي رخيص يمنح صكوك الغفران للمعتدين وحلفائهم التكفيريين، ومحاولة بائسة لتشويه النضال اليمني المقدس في حماية ترابه الوطني ونصرة القضايا الكبرى للأمة، وفي مقدمتها المظلومية الفلسطينية في غزة الأبية التي كان الأجدى بأوروبا أن تضع القتلة الحقيقيين فيها على رأس قوائم الإرهاب العالمي.
لا شك بأن هذا التواطؤ السياسي للمحافل الغربية ينعكس عملياً عبر أزيز الطائرات ولهيب القذائف، مشجعاً العدو على مزيد من الاستهداف لجغرافيا الصمود، لتتسع معه مساحات الوجع وتتفاقم الفاجعة جراء الصلف السعودي والإصرار على سفك دماء الأطفال والنساء وهدم أسباب الحياة. وتصعيد الأيام الماضية يؤكد على هذا الانفلات المستند إلى النفاق الدولي، كاشفاً عن مسار منهجي مدمر يتجاوز مواقع الاشتباك إلى إبادة معالم الحياة برمتها، في محاولة بائسة للتغطية على الفشل الذريع والهزائم النكراء. وما يتبجح به العدو من دعاوى حماية الأمن القومي ليس سوى تنفيس مجنون عن عقدة الإحباط المستحكمة التي أورثتها إياه العمليات الحيدرية لمعادلة التحرر اليمنية، والتي شلت حركة كيانه وأربكت حساباته الاستراتيجية.
تهاوت كل أوراق العدو وسقطت رهاناته؛ فلا التحالفات المأجورة أنقذته، ولا الترهيب بدخول الكيان الصهيوني على الخط بتزويده بالمعلومات الاستخبارية أسعفته، ولا يلوح في أفق خيباته ما يحفظ له بقايا ماء الوجه، لتبقى النساء والأطفال الهدف المتاح لمدفعيته وطائراته لحفظ هيبة زائفة، رغم يقينه بأن شعلة الميدان تتوهج صلابة وبأساً، لتفرض المظلومية اليمنية حضورها المرعب على يوميات الدولة المعتدية، مجهضةً كافة المخططات الشيطانية التي رسمتها أيادي الاستكبار الأمريكي والصهيوني.
لم يكن القتل الوحشي للمدنيين وتدمير المنازل يوماً إنجازاً حربياً في قاموس الفرسان، وإنما هو الفجور والإفلاس الأخلاقي الكامل لمن فقد القدرة على مواجهة اليد اليمنية الطولى وهي تصيب أهدافها الحيوية في أعمق أرجاء الجغرافيا السعودية.
وتتجلى بشاعة هذا الإفلاس في الإمعان الحاقد على دك الأحياء السكنية والمنشآت الاقتصادية؛ ففي يوم السبت الرابع والعشرين من أكتوبر، شهدت خارطة الاستهداف مجازر مروعة أراقت دماء واحد وعشرين شهيداً وثلاثة وعشرين جريحاً، أغلبهم من الأطفال والنساء الذين اغتيلت براءتهم تحت ركام مساكنهم. ففي همدان الأبية بمحافظة صنعاء، طال القصف المباشر سكن عمال مصنع الأسمنت، لينهار المجمع على رؤوس عشرات العائلات الكادحة، مخلفاً ثمانية شهداء بينهم أطفال ونساء، وخمسة عشر جريحاً، في جريمة غادرة تهدف إلى خنق مصادر العيش وإشاعة الخوف.
ولم تكن بقية المحافظات بمعزل عن هذه الشراهة للدم؛ ففي قلب العاصمة صنعاء، دمرت الغارات منزل المواطن فؤاد الشعبي بمنطقة عَصر، ليرتقي أربعة شهداء بينهم طفلان، وتخضبت الأرض بالدماء. وامتدت المأساة إلى الحديدة لتسحق طائرات العدوان منزل عبد الواحد الوصابي في التحيتا، وتقتل الأسرة بأكملها وتترك طفلة يتيمة تتجرع مرارة الجراح.
ولم تسلم مزارع الدريهمي ولا منازل الأقروض بتعز من هذا الجحيم المصبوب، حيث سقط الشهداء والجرحى في مشاهد تقشعر لها الأبدان، لتؤكد الأرقام والحقائق أن هذا العدوان لا يقاتل جيوشاً، بل يمارس حرب إبادة ضد المساكن والمزارع والمؤسسات الخدمية.
ويوماً بعد يوم، تحصد الماكينة السعودية أرواح الأطفال والنساء، وسط غيبوبة أخلاقية تطوق الضمير العالمي الذي يستمرئ التباكي المزيف، بينما تراق الدماء المعصومة على مرأى ومسمع من المؤسسات الدولية المتواطئة. واستقراء هذه التناقضات الصارخة يضع العالم والتاريخ أمام الحقيقة العارية للسياسة الغربية التي تقودها عقيدة المصلحة المادية؛ فالدم اليمني رخيص لديهم طالما كان النزيف داخل الجغرافيا اليمنية، والضمير الإنساني الأوروبي يبقى في حالة موت سريري طالما كانت الفاجعة بعيدة عن جدران بيوتهم. وما إن تلامس شرارات الحق مرافئ الملاحة وخطوط النفط، حتى تقام قيامة القانون الدولي وتستنفر البيانات واللقاءات، في إثبات قاطع بأن حقوق الإنسان في مفهومهم مجرد بضاعة تباع وتشترى في سوق النفاق السياسي.
ترتهن هذه السلوكية النفعية كلياً لشركات السلاح وعقود الطاقة مع النظام السعودي، حيث تُصاغ بيانات البرلمان الأوروبي بأقلام مأجورة لتبرير جرائم الحلفاء وتغطية خطاياهم، بينما يُمارس تعمية إعلامية وتهميشاً سياسيا ضد شعب يُذبح كل يوم.
رغم كل هذا الخذلان الدولي والتآمر العالمي، يقف الشعب اليمني العظيم بقيادته وشعبه في موضع الشموخ والأنفة، مؤكدين أن هذه المجازر لن تزيد الأرض إلا صلابةً والإرادة إلا اشتعالاً لانتزاع الحقوق. فالقصف والدمار ليس إلا برهاناً ساطعاً على إفلاس خيارات السلام لدى المعتدي، بينما أثبتت تضحيات اثني عشر عاماً أن اليمنيين لا يزدادون مع الكوارث إلا تمسكاً بقرارهم الوطني وسيادة ترابهم الشريف.
وفي المحصلة، يقف الواقع الشاهد والدم المسكوب ليعلنا أن المنظومة الدولية تعيش أزمة أخلاقية مستحكمة، ترتكز على تقييم الإنسانية بمكيال النفط والذهب. غير أن هذه الانحيازات الشيطانية لن تمحو أركان الجريمة، ولن تسقطها بالتقادم. وسيبقى اليمن عصياً، شاهراً سيف حقه في وجه الاستكبار، مؤكداً أن ارتهان الإرادة الدولية لمصالح الطغاة لن يولد إلا الانفجار، ولن يزيد هذا الشعب الأبي إلا ثباتاً على طريق التحرير واستعادة العدالة المسلوبة، ولو بعد حين.