تقرير خاص يحيى الشامي

بين حواف التلال الصخرية الممتدة غربي مدينة عتق وامتدادات الرمال نحو مديرية نصاب، تتكشف واحدة من أكثر فصول الوصاية الأجنبية فجاجة في الذاكرة اليمنية المعاصرة، حيث لم يعد الوجود العسكري للعدو السعودي مجرد دوريات عابرة أو غرف تنسيق لوجستي، بل مشروع استيطان حربي متكامل يحتمي في باطن الأرض وينخر في مفاصل الدولة اليمنية ويعمل على تفكيكها ونهب مقدراتها وإعاقة أي محاولة للتحرر من الداخل اليمني.

من هناك، من معسكر مُرّة المتربع على مساحة تتجاوز أربعة كيلومترات مربعة، كشفت المشاهد الاستخباراتية التي عرضتها قناة المسيرة عن مشهد يختزل حقيقة المشروع التوسعي: منشأة تحت أرضية محصنة، وشبكة أنفاق خرسانية غائرة، ومئة وخمسون ضابطاً وجندياً سعودياً يلوذون بالملاجئ، محاولين إدارة مصير محافظة تعوم على بحار من النفط والغاز، فيما يدفعون بأبناء الأرض اليمنية وقوداً لمعارك الوكالة على السطح.

اختيار معسكر "مُرّة" بالذات ليس وليد الصدفة، ولا هو تدبير عسكري اعتيادي بقدر ما هو تجسيد لأطماع تاريخية في جغرافيا الثروة؛ إذ يقف المعسكر في قلب القوس النفطي الحيوي المشرف على حقول عسيلان والعقلة وعياد، متحكماً في الشرايين المغذية لموانئ التصدير على بحر العرب ومحطات الغاز المسال نحو بلحاف. وتحت هذا الستار الجغرافي الخانق، يعيد التاريخ نفسه بمفارقة تراجيدية؛ فالمعسكر الذي شُيدت بواكيره الأولى في سبعينيات القرن الماضي بمشورة وهندسة سوفييتية وكوبية لصالح جيش اليمن الديمقراطي الشعبي في حينه، تحول في زمن التدخل الأجنبي والإيغال السعودي إلى غنيمة تتوارثها ما تسمى قوى التحالف، بدءاً من السيطرة الإماراتية عليه عام ألفين وتسعة عشر وتنصيب قوات دفاع شبوة حامياً عليه لمصلحة الامارات، وصولاً إلى تسلمه المباشر من قبل القوات السعودية مطلع العام الحالي بعد عمليات تجريف وتوسعة مسعورة رصدتها الأقمار الاصطناعية، وشملت استحداث مهابط ترابية، وحظائر للمسيرات، ومخازن سلاح، وأنظمة تنصت وحرب إلكترونية تحت الصخور.

وتكتمل فصول هذه التراجيديا الاستعمارية حين تَنْفذ عدسات الاستخبارات اليمنية إلى داخل تلك الغرف الرطبة، لترصد العميد الركن مصلح العتيبي، الشهير بأبي عساف، وهو يدير شؤون شبوة كحاكم عسكري فعلي لا يرى في أهلها سوى أدوات رخيصة، محاطاً بطاقم أركان كامل من الضباط السعوديين المعنيين بالعمليات والاستخبارات والاتصالات، ونائبه العميد سلطان الجش.

في تلك الأقبية، وثقت الكاميرا احتفال الضباط السعوديين بما يسمى اليوم الوطني لبلادهم تحت الأرض، وسط حضور صوري باهت لقيادات محلية تابعة كـ فوزي السعدي، في مشهد سريالي يوثق طريقة احتفال قادة المحتل السعودي -بأمان- بأعيادهم الوطنية على بعد مئات الكيلومترات في باطن أرض جارة تسومها آلتهم العسكرية القتل والحصار منذ عقد من الزمان.

 التجمع الكبير، الذي أظهرته المشاهد لضباط برتب عليا، يشكل حلقة وصل ميدانية مرتبطة ارتباطاً عضوياً بغرفة العمليات المشتركة في شرورة، ومنها مباشرة إلى ديوان وزارة الدفاع في الرياض تحت إشراف الفريق فهد السلمان، ما يؤكد أن شبوة باتت تُعامَل كملحق إداري وعسكري تابع للرياض بصورة مباشرة وفجة، على غرار مراكز القيادة المتقدّمة التي كُشفت سابقاً في مديريات الساحل الغربي المحرر وخلف فيها المحتل السعودي تركة مهولة من الأرشيف الورقي والرقمي.

التخندق السعودي في شبوة يحمل في طياته دلالة الهزيمة والارتباك العسكري أكثر مما يعكس القوة والتمدد؛ فهو يأتي امتداداً لانكسار المشروع السعودي واندحاره من الساحل الغربي في المخا، حيث تبخرت قواعد القيادة والسيطرة هناك تحت وطأة العلميات التحريرية اليمنية، لتلجأ الرياض إلى إعادة تموضع قسري بين عدن وعتق. غير أن هذا الهروب نحو الشرق والجنوب لم يوفر للأجهزة العسكرية السعودية مظلة الأمان التي توهمتها؛ فالضربات المركزة التي طالت تجمعاتهم ومعسكراتهم في عدن تحت إدارة العميد بدر الحربي، من معسكر النصر إلى القاعدة البحرية وصولاً إلى قصر معاشيق، تؤكد أن بنك الأهداف اليمني يمتلك من اليقظة والقدرة ما يجعله قادراً على ملاحقة مراكز القرار المعادي أينما حطت رحالها.

يبدو جلياً أن النظام السعودي، الذي استمرأ شراء الذمم بالريال واستخدام المقاتلين المحليين كدروع بشرية لحماية نخبة ضباطه، بات اليوم أضعف من أن يواجه الحقيقة المكشوفة فوق رمال اليمن، كما أن محاولة دفن هذا الحضور العسكري المكثف في بطن جبل مُرّة خشية الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لم تعد مجدية بعدما تحولت أدق تفاصيل المنشأة وأسماء ضباطها وتحركاتهم إلى ملفات استخباراتية مفتوحة على طاولة القيادة في صنعاء للتعامل معها قانونياً واستخباراتياً، وهو المصير ذاته الذي واجهته القاعدة العسكرية السعودية في المخا، والتي كشفت عن 148 ضابطاً سعوديا يديرون مجاميع تحشيداتهم في الساحل الغربي.

لقد ظن الغزاة أن خرسانة الملاجئ ستعزلهم عن غضب شعب سُفكت دماؤه ودمرت مقدراته طيلة سنوات العدوان، وتناسوا أن الرمال التي يخفون أنفسهم تحتها تحمل إرثاً يمانياً لا يقبل القسمة مع المحتل؛ فما بني في العتمة ووراء الجدران المحصنة صار اليوم هدفاً شاخصاً في وضح النهار، لتغدو قاعدة مُرّة شاهداً جديداً على خواء المشروع الخارجي أمام إرادة شعب يرفض أن تكون ثرواته وجغرافيته ورقة في يد أمراء الحرب وحكامهم العسكريين.